مؤسسة بيت الحكمة ودوره في حركة الترجمة مقدمات النهضة العلمية في الحضارة الإسلامية
   
المقدمة
  شرح العنصر
    وصف الدرس
يتناول هذا الدرس بيت الحكمة الذى أسسه العباسيون ، وتطور فى عهد المأمون تطورا كبيرا ، وأبرز من تولوا رئاسته ، وطريقة الترجمة فى بيت الحكمة ، وأشهر المترجمين الذين عملوا به.  
    التمهيد
نشطت الحركة العلمية في بغداد نشاطا لم يسبق له مثيل ، وكان من مظاهر ازدهار الحركة العلمية إنشاء مكتبة فى بغداد عرفت باسم " بيت الحكمة " ضمت بين جنباتها مدرسة للترجمة ، وقد جمع الخليفة المأمون بهذه المكتبة مؤلفات العرب المشهورة ، كما نقل إليها ما استولت عليه جيوش المسلمين من مكتبات بلاد الروم ، وتولى أمانة هذه المكتبة جماعة من أفذاذ العلماء ، وظلت هذه المكتبة عامرة ومصدر إشعاع علمي ضخم إلى أن دمرها المغول عند استيلائهم على بغداد فى سنة 656هـ .  
مؤسسة بيت الحكمة ودوره في حركة الترجمة مقدمات النهضة العلمية في الحضارة الإسلامية
   
دور الخليفة العباسي (هارون الرشيد) في تأسيس بيت الحكمة
  شرح العنصر
    تأسيس (هارون الرشيد) لبيت الحكمة
يرجع الفضل في تأسيس بيت الحكمة إلى الخليفة هارون الرشيد, بتشجيع من وزيره خالد بن يحيى البرمكي, ويذكر ابن النديم أنه كان يسمى أيضًا خزانة الحكمة (1), ويبدو أن بدايته كانت عبارة عن خزانة للكتب العلمية والمترجمة منذ عهد الخليفة المنصور, معنى ذلك أن بداية خزانة الحكمة منذ عهد المنصور (136 – 158ﻫ) كما يرجح ذلك أحد العلماء (2).  
(1) انظر:- ابن النديم – 130, 260.
(2) هو الأستاذ / محمد عبد الحليم غنيمة في مؤلفه – تاريخ الجامعات الإسلامية الكبرى – تطوان – المغرب 1953م ص 52, 53.
 
    اهتمام (هارون الرشيد) بالتوسع بيت الحكمة وتنميته
بعد انتقال هذه الخزانة إلى الرشيد (170:- 193ﻫ) عمل على تنميتها والتوسع فيها, وذلك باستجلاب الكتب من البلدان المفتوحة, وبالتالي توسع بيت الحكمة, وأصبح له مشرفون ومترجمون, ونساخ ومجلدون, ومما ساعد أيضًا على جلب الكتب اهتمامات يحيى بن خالد البرمكي وزير الرشيد بهذه الكتب خاصة كتب الأدب والتاريخ.  
مؤسسة بيت الحكمة ودوره في حركة الترجمة مقدمات النهضة العلمية في الحضارة الإسلامية
   
اهتمام الخليفة العباسي (المأمون) بتنمية مؤسسة بيت الحكمة
  شرح العنصر
    عصر المأمون أزهى عصور بيت الحكمة
كان عصر المأمون (198:- 218ﻫ) الذي يعد أزهى عصور بيت الحكمة, فتوسعت محتوياته بما أضيف إليه من مؤلفات علمية شتى, كما كان لاهتمام الخليفة المأمون بهذا الشأن أكبر الأثر على ازدهار بيت الحكمة ومن الجهود التي ساعدت المأمون على ذلك ما يلي:-  
    أولًا:- استجلابه للكتب من حكام (قبرص، صقلية, الروم)
كان يراسل حاكم قبرص، وحاكم صقلية, وملك الروم؛ لاستجلاب الكتب التي في حوزتهم, ونجح في ذلك نجاحًا لافتًا للنظر, ولم يكتف بذلك, بل جعل على هذه الكتب أعظم رجل عصره في الترجمة والنقل من أمثال:- حنين بن إسحاق, وأبناء موسى بن شاكر, والحجاج بن مطر, وابن البطريق. الذين شكلوا وفودًا رسمية من قبل المأمون لزيارة هذه البلاد وانتفاء الكتب التي كانت في حوزتهم (1).  
(1) انظر:- ابن النديم – الفهرست – 343, القفطي – إخبار العلماء – 29:- 30, أحمد فريد الرفاعي – عصر المأمون – القاهرة – دار الكتب 1928م – 1/375.  
    ثانيًا:- اشتراطه على معاهديه إرسال ما عندهم من كتب الحكمة والفلسفة
تضمنت المعاهدات التي كان يعقدها المأمون مع حكام تلك المناطق شرطًا مفاده:- إرسال ما عندهم من كتب الحكمة والفلسفة وخير مثال على ذلك ما فعله في معاهدته مع (ميخائيل الثالث قيصر بيزنطة) فقد طلب منه المأمون إرسال أعمال الفلاسفة القدماء التي لم تتم ترجمتها بعد إلى العربية, ويعتبر ذلك كما تشير (زيغريد هونكة) بديلًا عن تعويضات الحرب, وهي أسلحة تساهم في بناء المجد (1).  
(1) انظر:- زيغريد هونكة – شمس العرب تسطع على الغرب – ترجمة:- فاروق بيضون, كمال الدسوقي – دار الجيل – بيرون ط 8 – 1413ﻫ /1963م – ص 375.  
    ثالثًا:- اهتمامه بالعلوم العربية والفقهية
يضاف إلى جهود المأمون العلمية في تنمية وازدهار بيت الحكمة اهتمامه الشديد بالعلوم العربية, فجمع الشعر العربي القديم, وما هو مدون من أيام الجاهلية وكذلك الوثائق الرسمية, بالإضافة إلى أنه كان يجلس يومًا لسماع الفقهاء، فقد كان رابعًا في الفقه والعربية وأيام الناس, ثم اهتم بعلوم الحكمة والفلسفة وعلوم الأوائل, ولم يل الخلافة من بني العباس أعلمك منه, فكان آمارًا بالعدل, فقيه النفس راويًا للحديث, مستجمعًا لخصال أهل العلم (1)  
(1) انظر:- المسعودي – أبا الحسن علي بن الحسين (ت346ﻫ) مروج الذهب ومعادن الجوهر – القاهرة – المكتبة التجارية الكبرى (د.ت) – 3م 230, السيوطي – تاريخ الخلفاء – ص 364.  
    تعقيب
لا شك في أن الخليفة الذي يستجمع هذه الصفات, يعود ذلك بالثر العظيم على العلم والعلماء, ومن ثم على جميع أركان الدولة الإسلامية.  
مؤسسة بيت الحكمة ودوره في حركة الترجمة مقدمات النهضة العلمية في الحضارة الإسلامية
   
سبب عظم مكانة بيت الحكمة في الحياة العلمية والثقافية عند المسلمين
  شرح العنصر
    احتضان بيت الحكمة لجميع العلوم العربية والأجنبية المترجمة
احتضن بيت الحكمة العلوم العربية بأصنافها, والعلوم الأجنبية المترجمة على اختلاف فروعها, مما رفع مكانة هذه المؤسسة وجعلها تلعب دورًا من أخطر الأدوار في الحياة العلمية والثقافية عند المسلمين (1).  
(1) كوركيس عواد – خزائن الكتب القديمة في العراق – بغداد سنة 1948م – ص 105.  
    توفير الخلفاء العباسيين (الحرية - الإمكانات) للعاملين في بيت الحكمة
وفر الخلفاء العباسيين وخاصة الرشيد والمأمون جوًّا من الحرية اللازمة والإمكانات الهائلة للعاملين في هذه المؤسسة, دون تمييز أو ضغط أو إكراه أو اضطهاد أو تعصب ديني أو عرقي أو طبقي. حتى صارت بغداد آنذاك قبلة للعلم والعلماء في شتى أنحاء العالم, فهي مركز الخلافة, وحاضرة الإسلام والمسلمين, ونقطة التقاء لجميع الثقافات والأفكار.  
مؤسسة بيت الحكمة ودوره في حركة الترجمة مقدمات النهضة العلمية في الحضارة الإسلامية
   
التعريف بـ (نظام, ورؤساء, وكيفية تمويل) مؤسسة بيت الحكمة
  شرح العنصر
    أولًا:- نظام بيت الحكمة
لم توضح المصادر المتاحة النظام الدقيق الذي كان متبعًا في بيت الحكمة, إلا أنها أشارت إلى صاحب بيت الحكمة, والتي انحصرت مهمته في الإشراف الكلي على عمل العلماء والمترجمين, وإلى جانبه الأمناء على الترجمة, والكتاب الحذاق، والخزان المتمرسون, والمجلدون المهرة (1).  
(1) الجاحظ عمرو بن بحر (ت255ﻫ) – رسائل الجاحظ – تحقيق الشيخ عبد السلام محمد هارون – الخانجي – القاهرة 1946م 1/351, ابن النديم – الفهرست – 10, 105, 120.  
    ثانيًّا:- رؤساء بيت الحكمة
1- (يوحنا بن ماسويه):- الذي تولى أيضًا أمانة الترجمة.
2- (سهل بن هارون):- خازن كتب الحكمة المجلوبة للمأمون من قبرص وسلم.
3- (حنين بن إسحاق):- الذي أوكل إليه المأمون ترجمة كتب الحكماء اليونانيين, وعمل أمينًا للترجمة في عهد المتوكل (ت247ﻫ) وساعده كتاب بارعون منهم:- اصطفن بن باسيل, وموسى بن خالد الترجماني وغيرهما (1).
4- (علان الوراق):- فقد تولى مهمة النسخ.
5- (ابن ابي الحريش):- تولى مهمة تجليد الكتب وتنميقها في حين كان يوحنا بن البطريق وعمر بن الفرخان الطبري أمناء على الترجمة.
6- (الخوارزمي):- الرياضي الشهير كان أحد الخزان في بيت الحكمة.
7- (أبناء موسى بن شاكر):- تولى كل من (محمد وأحمد والحسن أبناء موسى بن شاكر) مهمة علوم الهندسة والحيل والحركات والموسيقى والنجوم (2).
 
(1) الجاحظ – المصدر السابق – 1/351, ابن النديم – الفهرست – 10، 105, ابن أبي أصيبعة أبو العباس أحمد بن القاسم بن خليفة (ت688ﻫ ), عيون الأنباء في طبقات الأطباء – جدار الحياة – بيروت – 1957م ص 260.
(2) انظر:- ابن النديم – الفهرست – 271, 274, 282.
 
    ثالثًا:- طريقة الترجمة في بيت الحكمة
1- كانت تتم عن طريق ترجمة الكتاب من لغته إلى اللغة العربية مباشرة, أو نقله إلى لغة المترجم, ثم تترجم بعد ذلك إلى اللغة العربية عن طريق علماء عارفين باللغة العربية. وزيادة في الدقة والتحري وأمانة في النقل, كانت الترجمات تُراجع من قبل مترجمين على مستوى رفيع بغرض تصحيحها وتقويمها, كما كان يفعل هذا الكندي وغيره, والترجمة إما أن تكون حرفية أو بالمعنى دون التقيد بالنصوص الحرفية(1). 2- كان بيت الحكمة مقسمًا لأقسام خاصة بالترجمة بحسب الموضوعات المراد ترجمتها كالفلسفة والطب, والفلك, والرياضيات وغيرها من العلوم(2).  
(1) انظر:- ابن جلجل سليمان بن حسان (المتوفي بعد سنة 384ﻫ) – طبقات الأطباء والحكماء - تحقيق فؤاد سيد – بيروت – الرسالة ط 2 سنة 1405ﻫ -65, 69, ابن النديم – الفهرست – ص 245.
(2) انظر:- بطرس البستاني – أدباء العرب في الأعصر العباسية – دار الجيل – بيروت سنة 1979م – 2/170.
 
    رابعًا:- تمويل بيت الحكمة
لاشك في أن خلفاء (بني العباس) بما عرف عنهم من ميل فطري إلى العلم والعلوم لم يألوا جهدًا في الإنفاق على هذه الأكاديمية العلمية الكبيرة في ذلك الوقت, ورعاية المترجمين والعلماء بها, فوصلت قيمة ما يتم نقله إلى المترجم (خمسمائة دينار) في الشهر, وكان يحصل على هذا المبلغ من المترجمين:- حنين بن إسحاق, وحبيش بن الأعسم, وثابت بن قرة وغيرهم من المترجمين, كما أشارت المصادر إلى أن المأمون أعطى لحنين بن إسحاق زنة ما ينقله من الكتب إلى العربية ذهبًا(1).  
(1) انظر:- ابن النديم – الفهرست – 243, ابن ابي أصيبعة – عيون الأنباء في طبقات الأطباء – 260.  
مؤسسة بيت الحكمة ودوره في حركة الترجمة مقدمات النهضة العلمية في الحضارة الإسلامية
   
أبرز المترجمين في مؤسسة بيت الحكمة
  شرح العنصر
    تقديم
من أبرز المترجمين في مؤسسة بيت الحكمة ما يلي:-
1– الحسن بن موسى النوبختي.
2– عبد الله بن المقفع.
3– عمر بن الفرخان الطبري.
4- يوحنا بن ماسويه.
5- حنين بن إسحاق العبادي.
6- يعقوب بن إسحاق الكندى.
7- ثابت بن قرة الحراني.
وإليك بيان ذلك:-
 
    أولًا:- الحسن بن موسى النوبختي
أحد النقلة من الفارسية إلى العربية, كان أحد المتكلمين الفلاسفة, وله من الكتب كتاب:- الآراء والديانات ولم يتمه, وكتاب التوحيد وحدث العلل, وكتاب اختصار الكون والفساد لأرسطاطاليس (1).  
(1) ابن النديم – الفهرست – ص 252.  
    ثانيًّا:- عبد الله بن المقفع
أحد النقلة المجيدين من اللسان الفارسي إلى العربية, متضلعًا باللغتين فصيحًا بهما, وقد نقل عدة كتب من كتب الفرس منها:- كتاب خدا نامة في السير، وكتاب آبين نامة, وكتاب كليلة ودمنة, وكتاب مزدك, وكتاب السير في سيرة أنو شروان, وكتاب الأدب الكبير والأدب الصغير, وكتاب اليتيمة في الرسائل (1).  
(1) انظر:- ابن النديم – الفهرست – ص 172.  
    ثالثًا:- عمر بن الفرخان الطبري
أحد حذاق الترجمة الأربعة الذين اشتهروا في الإسلام حسبما ذكر صاحب «طبقات الأمم» (1), وهو من الذين شاركوا في ازدهار حركة الترجمة في بيت الحكمة أيام المأمون, فقد ذكر القفطي:- أن عمر بن الفرخان الطبري أحد رؤساء الترجمة والمتحققين بعلم حركات النجوم وأحكامها, وهو من العلماء الحكماء, ترجم للمأمون كتبًا كثيرة, وألف له في النجوم مؤلفات عديدة إلى غير ذلك من علوم الفلسفة (2).  
(1) انظر:- صاعد – ص 47.
(2) إخبار العلماء – 241, 242.
 
    رابعًا:- يوحنا بن ماسويه
من أشهر علماء الترجمة – إبان العصر العباسي – من السريانية إلى العربية, وهو من أطباء مدرسة جنديسابور, رحل إلى بغداد, وهناك أقام بيمارستانًا وقلده الرشيد ترجمة الكتب الطبية القديمة مما وجده في أنقرة, وعمورية, وبلاد الروم, ووضعه أمينًا على الترجمة, ووضع له كتابًا حُذاقًا يكتبون بين يديه (1). كما جعله المأمون رئيسًا لبيت الحكمة وظل متصلًا بالخلفاء حتى عهد المتوكل, وبلغ من ثقة الخلفاء العباسيين فيه أنهم كانوا لا يأكلون طعامًا إلا في حضرته(2). وله في الطب كتب مهمة منها:- كتاب البرهان, وكتاب البصرية، وكتاب الكمال والتمام, وكتاب في الحميات, وكتاب في الفصد والحجامة. .. وغيرها من الكتب (3).  
(1) ابن جلجل – طبقات الأطباء والحكماء – ص 65.
(2) انظر:- ابن النديم – الفهرست – ص 295.
(3) عن مؤلفات يوحنا بن ماسويه راجع:- ابن جلجل – طبقات الأطباء والحكماء – 66, ابن النديم – الفهرست – ص 22.
 
    خامسًا:- حنين بن إسحاق العبادي
= تلميذ يوحنا بن ماسويه, كان عالمًا بلسان العرب, وهو أول من فسر اللغة اليونانية ونقلها إلى السريانية والعربية, وهو أعلم أهل زمانه باللغة العربية واليونانية, فقد كان فصيحًا في اللسانين (1).
= قال عنه ابن أبي أصيبعة:- «كان حنين عالمـًا باللغات غريبها ومستعملها, العربية والسريانية, واليونانية, والفارسية, ونقله في غاية من الجودة»(2) وهو أحد أئمة الترجمة في الإسلام (3). واختير للترجمة في بيت الحكمة, وائتمن عليها، ووضع له «المتوكل» كُتابًا نحارير, عالمين بالترجمة, كانوا يترجمون, ثم يتصفح حنين ما يترجمونه, ومن الذين عملوا معه:- اصطفن بن باسيل, وحبيش, وموسى بن أبي خالد الترجمان(4).
= كان جليلًا في ترجمته, فهو الذي أوضح معاني كتب أبقراط, وجالينوس, ولخصها أحسن تلخيص وكشف ما استغلق منها, وأوضح مشكلها. وله تواليف نافعة متقنة منها:- كتاب في صناعة المنطق لم يسبقه إليه مثله؛ لحسن تقسيمه وبراعة نظامه, وألف في الأغذية كتابًا عجيبًا, وله كتاب في تدبير الناقهين, وفي الأدوية المسهلة, والأغذية على تدبير الصحة لم يسبقه إليه أحد(5), وقد تضلع حنين بنقل العديد من الكتب خاصة مصنفات أبقراط وجالينوس (6).
= ومن أبناء حنين بن إسحاق:- إسحاق, وداود, فإسحاق خلف والده على الترجمة وتولاها وأتقنها وأحسن فيها. أما داود فكان طبيبًا (7).
 
(1) انظر:- البيهقي ظهير الدين أبا الحسن على بن زيد (ت565ﻫ) – تاريخ حكماء الإسلام – تحقيق:- محمد كرد على – مطبعة الترقي – دمشق سنة 1946م ص 16.
(2) عيون الأنباء في طبقات الأطباء – ص 371.
(3) صاعد – طبقات الأمم – ص 47.
(4) ابن جلجل – طبقات الأطباء والحكماء – ص65.
(5) انظر:- ابن جلجل – طبقات الأطباء والحكماء – 68, البيهقي – تاريخ حكماء الإسلام ص 16.
(6) راجع بعض الكتب التي نقلها حنين عند:- ابن النديم – الفهرست – 294, رشيد الجميلي – حركة الترجمة في المشرق – 253 وما بعدها.
(7) عن إسحاق بن حنين راجع:- البيهقي – تاريخ حكماء الإسلام – 18, وقد ذكر ابن جلجل في كتابه داود بن حنين ص 71.
 
    سادسًا:- يعقوب بن إسحاق الكندي
كان على معرفة تامة باللغة اليونانية, فكان ينقل مباشرة من اليونانية إلى العربية, ويعد من رؤساء حملة العلم اليوناني(1). انتقل إلى بغداد. وكان عالمًا بالطب والفلسفة وعلم الحساب والمنطق, والعلوم الهندسية وطبائع الأعداد والهيئة وعلم النجوم. ولم يكن – في زمانه – في الإسلام فيلسوف غيره. احتذى في تواليفه حذو أرسطوطاليس. وله تواليف كثيرة في فنون العلم, وقام بترجمة العديد من كتب الفلسفة التي غلبت عليه, وأوضح منها المشكل, ولخص المستصعب(2), فهو أحد حذاق المترجمين الذين ذكرهم صاعد(3).
وله مصنفات في معظم فروع العلم والمعرفة التي كانت سائدة في القرن الثالث الهجري, ولم يترك الكندي في الغالب أي صغيرة أو كبيرة في معارف عصره إلا وذكرها في مؤلفاته التي جاوزت المائتي مصنف(4).
 
(1) آدم متز – الحضارة افسلامية في القرن الرابع الهجري – ترجمة محمد عبد الهادي أبي ريدة – القاهرة سنة 1957م – 2/1.
(2) ابن جلجل – طبقات الأطباء والحكماء – ص 70.
(3) طبقات الأمم ص 47.
(4) انظر:- رشيد الجميلي – حركة الترجمة في المشرق – ص 280.
 
    سابعًا:- ثابت بن قرة الحراني
من مشاهير النقلة, كان رئيسًا لمدرسة حران, وإليه يرجع نسب أشهر علماء هذه المدرسة. سكن بغداد, وكان الغالب عليه الفلسفة دون الطب, وهو حكيم, كان المعتضد يكرمه(1). وله كتب كثيرة في فنون العلم كالمنطق والحساب والهندسة والتنجيم والهيئة، وله كتاب مدخل إلى كتاب إقليدس وهو من المتقدمين في علمه جدًا, ومن ترجماته إلى العربية المقالات الأواخر من كتاب المخروطات لابلونيوس, وكتاب المجسطي لبطليموس, وقد تميز بالدقة المتناهية في نقولاته وبخاصة الرياضية والفلكية التي نقلت من اليونانية إلى العربية(2).  
(1) ابن جلجل – طبقات الأطباء والحكماء – ص 75.
(2) ابن:- ابن النديم – الفهرست – ص 380.
 
مؤسسة بيت الحكمة ودوره في حركة الترجمة مقدمات النهضة العلمية في الحضارة الإسلامية
   
أهم نتائج حركة النقل والترجمة
  شرح العنصر
    تقديم
بعد هذا العرض الذى قمنا به لمراكز الترجمة وبيت الحكمة يمكننا أن نجمل أهم نتائج حركة النقل والترجمة فيما يلى:-  
    النتيجة الأولى
قام العرب بالدور الرئيس والمؤثر في ميدان الإسهامات الجديدة التي طرأت على مختلف العلوم والمعارف التي تناولتها حركة الترجمة إبان القرنين الثاني والثالث للهجرة, فلم يقفوا أمام هذا الكم الهائل من الكتب المترجمة من شتى اللغات موقف الجمود, بل أضافوا إلى هذه العلوم الكثير من النظريات العلمية أخذ منها المتخصصون كل في مجاله سواء في الطب أو الرياضيات أو الفلك إلى غير ذلك من العلوم.  
    النتيجة الثانية
ترتب على حركة الترجمة اتساع الثقافة العربية بعد أن تفاعلت مع ثقافات الأمم الأخرى فأصبحت بالفعل ثقافة عالمية, وأصبحت اللغة العربية هي اللغة العالمية الأولى, أو لغة الثقافة والعلم في خلال تلك الفترة, إذ استوعبت كافة المصطلحات الجديدة التي دخلت إليها, مما يدل على مرونتها وقدرتها الفائقة على الاستيعاب, وأفادت اللغة أيضًا غنى في أدبها وتشريعها.  
    النتيجة الثالثة
كان العرب على موعد مع القدر, ليحملوا عبء الفكر الإنساني, ويضيفوا إليه, ويسيروا به قرون عديدة, فبمجرد أن اطلعوا على تراث الأمم الأخرى, ونتيجة لاستنهاض الإسلام ودعوته للعلم, انطلقت الطاقة الإسلامية لشرح وتطبيق هذه العلوم, بالممارسة والتجربة والاستقصاء. فأتاحت لهم هذه الأعمال أن يحملوا الرسالة العلمية الكبرى للإنسانية, وأن يتركوا بصماتهم على صفحات التاريخ, وأن يتقدموا بالعلوم والفنون والثقافات خطوات على طريق الحضارة.  
    النتيجة الرابعة
أثمرت الكنوز التي نقلت إلى العربية ثمرتها المرجوة, وأحدثت تطورًا هائلًا في العقلية العربية والتفكير الإنساني, وسنتعرف في الصفحات التالية على بعض جهود علماء الإسلام في العلوم المختلفة وأثر هذه العلوم في تقدم الإنسانية بأسرها.  
    النتيجة الخامسة
من أهم ما حققته حركة الترجمة إحياء تراث الأمم القديمة والحفاظ عليه, فكان للمسلمين الفضل في انقاذ التراث العلمي القديم من الضياع, فلولا المسلمون لما عرفنا شيئا عن هذه العلوم, إذ أن أغلب الأصول القديمة لهذه الكتب قد ضاعت, فكتب مثل التي كتبها جالينوس في الطب والتشريح وبطليموس في البصريات هذه الكتب وغيرها لا وجود لها إلا في التراجم العربية.